بيان صادر عن اجتماع اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الفلسطيني 5 تموز 2026

اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الفلسطيني عقدت اجتماعها الدوري في مدينة رام الله يوم الأحد الموافق 5 تموز/يوليو 2026، حيث ناقشت بصورة معمقة مجمل التطورات السياسية على المستويات الفلسطينية والإقليمية والدولية، مستندة في تحليلها إلى المنهج الماركسي اللينيني الذي يربط بين طبيعة النظام الرأسمالي الإمبريالي وتطور الصراعات السياسية والعسكرية، ويؤكد أن نضال الشعوب من أجل التحرر الوطني والاجتماعي يشكل جزءاً لا يتجزأ من الصراع العالمي ضد الإمبريالية والاستغلال.
أولاً: على الصعيد الفلسطيني
أكدت اللجنة المركزية أن ما يتعرض له شعبنا العربي الفلسطيني في الضفة الغربية المحتلة يمثل أخطر مراحل المشروع الاستعماري الاستيطاني الإحلالي منذ احتلال عام 1967، حيث يواصل الاحتلال الصهيوني تنفيذ سياسة تطهير عرقي ممنهجة تستهدف الأرض والإنسان الفلسطيني في آن واحد.
وأشارت اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الفلسطيني إلى أن عصابات المستوطنين، تحت الحماية الكاملة لجيش الاحتلال الصهيوني، تشن اعتداءات متواصلة على مدار الساعة ضد القرى والبلدات الفلسطينية، من خلال مهاجمة المزارعين، وتدمير الحقول الزراعية، وسرقة وإحراق الممتلكات، والاعتداء على قطعان المواشي، وإجبار المواطنين على مغادرة منازلهم وأراضيهم، في محاولة لفرض وقائع استعمارية جديدة عبر الإرهاب المنظم. وفي المقابل، لا يتردد جيش الاحتلال في قمع كل أشكال المقاومة الشعبية التي يتصدى بها أبناء شعبنا لهذه الاعتداءات.
وترى اللجنة المركزية أن هذه الهجمة الاستعمارية لا يمكن مواجهتها إلا عبر بناء أوسع جبهة وطنية وشعبية موحدة، وتطوير حراك جماهيري واسع في المدن والقرى والمخيمات، وتنظيم لجان الحماية الشعبية، وتوحيد كافة القوى الوطنية والديمقراطية في مواجهة إرهاب المستوطنين وسياسات الاحتلال الرامية إلى تفريغ الأرض الفلسطينية من سكانها الأصليين.
كما حذرت اللجنة المركزية من استمرار الاعتداءات المتصاعدة على مدينة القدس المحتلة، وما تتعرض له المقدسات الإسلامية والمسيحية من محاولات تهويد وتغيير للهوية التاريخية والدينية للمدينة، معتبرة أن القدس ستبقى عنواناً للصراع الوطني، وأن كل الإجراءات الاحتلالية باطلة ولن تمنح الاحتلال أي شرعية.
وفيما يتعلق بقطاع غزة، أعربت اللجنة المركزية عن رفضها المطلق للمشاريع السياسية المشبوهة التي يجري الترويج لها تحت مسميات مختلفة، ومن بينها ما يسمى بـ"مجلس السلام"، معتبرة أن هذه المشاريع تشكل امتداداً للرؤية الصهيونية الهادفة إلى إعادة تشكيل الواقع السياسي والإداري في القطاع بما يخدم أهداف الاحتلال، ويفصل غزة عن محيطها الوطني الفلسطيني، ويفرض عليها أشكالاً مختلفة من الوصاية الخارجية.
وأكدت اللجنة المركزية أن الأولوية الوطنية والإنسانية في هذه المرحلة تتمثل في مواصلة جهود الإغاثة العاجلة، وتوفير مقومات الصمود لأبناء شعبنا في قطاع غزة، والعمل على البدء الفوري بعملية إعادة إعمار شاملة تعيد بناء ما دمره العدوان الصهيوني، وتضمن توفير شروط الحياة الكريمة لشعبنا الفلسطيني في القطاع.
وشددت اللجنة على أن إعادة إعمار قطاع غزة ليست مجرد قضية إنسانية أو اقتصادية، بل هي معركة وطنية وسياسية في مواجهة مخطط الاحتلال الرامي إلى استثمار الدمار والحصار والتجويع كأدوات لفرض التهجير القسري وتفريغ القطاع من سكانه. وأكدت أن تثبيت أبناء شعبنا في أرضهم، ودعم صمودهم، وإعادة بناء المنازل والبنية التحتية والمنشآت الاقتصادية والاجتماعية، يشكل رداً عملياً على كل المحاولات الهادفة إلى اقتلاع الشعب الفلسطيني من أرضه وإنهاء قضيته الوطنية.
وأكدت اللجنة أن مخطط التهجير القسري، سواء عبر العدوان العسكري أو سياسة الحصار أو خلق ظروف معيشية صعبة، يمثل امتداداً للمشروع الاستعماري الصهيوني الهادف إلى تصفية القضية الفلسطينية وضرب حق الشعب الفلسطيني في البقاء على أرضه. ودعت إلى حشد كل الطاقات الوطنية والعربية والدولية من أجل دعم إعادة إعمار غزة، بعيداً عن أي شروط سياسية أو محاولات لفرض وصاية خارجية على القرار الفلسطيني.
وأكدت اللجنة أن أخطر ما يواجه القضية الفلسطينية اليوم يتمثل في استمرار الانقسام الداخلي، داعية إلى إنهائه فوراً واستعادة الوحدة الوطنية على أساس برنامج وطني مقاوم، بما يمكن شعبنا من إفشال المخططات الرامية إلى فصل قطاع غزة عن الضفة الغربية ووضعه تحت أشكال مختلفة من الوصاية الأجنبية، وفي مقدمتها الوصاية الأمريكية.
وفي هذا السياق، ناقشت اللجنة المركزية الدعوات المتعلقة بإجراء انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني، وأكدت أن إعادة بناء الشرعية الوطنية الفلسطينية على أسس ديمقراطية وشعبية تمثل ضرورة ملحة في هذه المرحلة التاريخية التي تمر بها القضية الفلسطينية. وشددت اللجنة على موقفها الداعم لإجراء انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني باعتبارها استحقاقاً وطنياً يساهم في إعادة تفعيل و بناء مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية وتعزيز دورها باعتبارها الممثل الجامع للشعب الفلسطيني في الوطن والشتات.
وأكدت اللجنة المركزية أن نجاح هذه الانتخابات يتطلب توفير بيئة ديمقراطية حقيقية تضمن مشاركة كافة القوى الوطنية والسياسية والاجتماعية الفلسطينية دون أي قيود سياسية أو شروط مسبقة تهدف إلى الإقصاء أو التهميش. وحذرت من تكرار ممارسات الإقصاء التي شهدتها بعض التجارب الانتخابية السابقة، ومنها انتخابات المجالس البلدية، حيث استخدمت بعض الشروط والإجراءات لمنع مشاركة قوى وفعاليات وطنية وشعبية، الأمر الذي يتعارض مع جوهر العملية الديمقراطية وحق المواطنين في اختيار ممثليهم بحرية.
وشددت اللجنة على أن الانتخابات الوطنية يجب أن تكون أداة لتعزيز الوحدة الفلسطينية لا وسيلة لتعميق الانقسام، وأن الديمقراطية الحقيقية تقوم على التعددية السياسية واحترام حق جميع أبناء الشعب الفلسطيني في المشاركة، بعيداً عن أي تدخلات أو ضغوط داخلية أو خارجية.
ثانياً: على الصعيد الإقليمي
ناقشت اللجنة المركزية نتائج العدوان الصهيوني–الأمريكي على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، ورأت أن هذا العدوان يأتي في إطار سياسة الهيمنة التي تمارسها القوى الإمبريالية في المنطقة بهدف فرض وقائع سياسية وأمنية جديدة تخدم مصالحها الاستراتيجية. وأكدت اللجنة أن صمود إيران وقدرتها على مواجهة هذا العدوان أفشلا المخططات الرامية إلى تغيير موازين القوى وفرض ترتيبات إقليمية تخدم المشروع الصهيوني والهيمنة الأمريكية.
كما أكدت اللجنة أن استمرار العدوان على دول المنطقة وشعوبها يعكس طبيعة السياسات التي تنتهجها القوى الإمبريالية وحلفاؤها، القائمة على استخدام القوة العسكرية والتهديدات والحصار الاقتصادي كوسائل لإخضاع الشعوب ومنعها من امتلاك قرارها الوطني المستقل.
وناقشت اللجنة التطورات الجارية في لبنان، ولا سيما ما يعرف بـ"اتفاقية الإطار" مع الحكومة اللبنانية والكيان الصهيوني، معتبرة أن أي اتفاق ينتقص من سيادة لبنان أو يمنح الاحتلال مكاسب سياسية أو أمنية هو اتفاق فاقد للشرعية الوطنية، ولن يحقق الاستقرار أو الأمن الحقيقي لشعوب المنطقة.
وأكدت اللجنة أن لبنان الحقيقي ليس ما تعكسه بعض السياسات الرسمية أو مواقف بعض المسؤولين، بل هو لبنان المقاومة والتضحيات، لبنان الشهداء والقادة الوطنيين الذين واجهوا الاحتلال الصهيوني وقدموا التضحيات الجسام دفاعاً عن استقلال الوطن وسيادته. وترى اللجنة أن أي قيادة تتجاهل هذا التاريخ النضالي أو تحاول الانقلاب عليه لن تستطيع تحقيق الاستقرار أو فرض مشاريع لا تنسجم مع مصالح الشعب اللبناني.
كما ناقشت اللجنة أوضاع الشعب الصحراوي، وأدانت سياسات التضييق والحصار المفروضة عليه، مؤكدة تضامن الحزب الكامل مع نضاله المشروع من أجل ممارسة حقه في تقرير مصيره ونيل حقوقه الوطنية المشروعة وفق قرارات الشرعية الدولية.
وفي الشأن السوداني، أعربت اللجنة عن قلقها البالغ إزاء استمرار الحرب الدائرة على الأراضي السودانية، والتي باتت تمثل، في جوهرها، صراعاً بين قوى إقليمية ودولية تستخدم السودان وشعبه ساحة لتصفية الحسابات وتقاسم النفوذ والثروات. وأكدت اللجنة تضامنها الكامل مع الشعب السوداني، ومع الطبقة العاملة والقوى الديمقراطية والتقدمية، في نضالها من أجل إنهاء الحرب وبناء دولة مدنية ديمقراطية تحقق العدالة الاجتماعية والسيادة الوطنية.
ثالثاً: على الصعيد الدولي
رأت اللجنة المركزية أن العالم يعيش مرحلة انتقالية تتسم بتفاقم التناقضات البنيوية للرأسمالية الاحتكارية العالمية، حيث تتصاعد المنافسة بين المراكز الإمبريالية الكبرى من أجل إعادة اقتسام الأسواق والموارد الطبيعية والممرات البحرية وطرق التجارة الدولية، الأمر الذي يدفع البشرية نحو مزيد من الحروب والأزمات الاقتصادية والاجتماعية.
وأكدت اللجنة أن ما شهدته مناطق عديدة من العالم، ومنها فنزويلا وإيران، ليس سوى تعبير عن احتدام الصراع بين القوى الإمبريالية الساعية إلى الحفاظ على نفوذها ومصالحها الاقتصادية والسياسية، وأن المرحلة المقبلة مرشحة لمزيد من المواجهات في ظل الأزمة البنيوية التي يعيشها النظام الرأسمالي العالمي.
كما ناقشت اللجنة المركزية الدور الذي يلعبه حلف شمال الأطلسي (الناتو) في النظام العالمي الراهن، وأكدت أن هذا الحلف يشكل إحدى أهم أدوات الهيمنة العسكرية والسياسية للإمبريالية المعاصرة، وأن تاريخه ارتبط بالحروب والتدخلات العسكرية والعدوان على الشعوب والدول التي ترفض الخضوع لمنطق السيطرة والهيمنة.
وأكدت اللجنة أن الناتو لم يكن في أي مرحلة من مراحل وجوده حلفاً للدفاع عن السلام، بل كان أداة لخدمة مصالح القوى الإمبريالية الكبرى، من خلال التدخل في الشؤون الداخلية للدول، وشن الحروب، ودعم الاحتلالات، وفرض الإرادة السياسية والاقتصادية على الشعوب، والتحكم بمقدراتها وثرواتها وممراتها الاستراتيجية.
وترى اللجنة المركزية أن سياسات الناتو العدوانية تمثل تهديداً حقيقياً للسلم العالمي، وأن استمرار توسع هذا الحلف وتعزيز وجوده العسكري في مناطق مختلفة من العالم يعكس مساعي الإمبريالية لإدامة نظام الهيمنة والاستغلال وإخضاع الشعوب لإرادة المراكز الرأسمالية الكبرى.
وفي هذا السياق، أكد الحزب الشيوعي الفلسطيني تضامنه مع القوى العمالية والشعبية والأحزاب الشيوعية والتقدمية في مختلف أنحاء العالم التي تناضل ضد العسكرة والحروب وسياسات الهيمنة الإمبريالية، معتبراً أن النضال ضد الأحلاف العسكرية العدوانية هو جزء لا يتجزأ من النضال العالمي من أجل السلام الحقيقي وحق الشعوب في تقرير مصيرها.
كما رأت اللجنة أن الحرب الروسية–الأوكرانية تعكس في جوهرها التناقضات المتفاقمة داخل النظام الإمبريالي الدولي، وأن استمرارها واتساع رقعتها يحمل مخاطر جدية قد تدفع العالم نحو مواجهة دولية أوسع تهدد مستقبل الإنسانية بأسرها.
وانطلاقاً من التحليل الماركسي اللينيني، تؤكد اللجنة المركزية أن الأزمة الراهنة ليست أزمة سياسات عابرة، بل هي أزمة تاريخية للنظام الرأسمالي نفسه، الذي لم يعد قادراً على حل تناقضاته إلا عبر الحروب والتوسع والهيمنة ونهب الشعوب.
وترى اللجنة أن الاشتراكية، بوصفها بديلاً تاريخياً للرأسمالية، تمثل الطريق القادر على إنقاذ البشرية من دوامة الحروب والاستغلال والتفاوت الطبقي، من خلال بناء نظام عالمي قائم على العدالة الاجتماعية، وسيادة الشعوب، والتعاون بين الأمم، واحترام حقها في تقرير مصيرها بعيداً عن الهيمنة الإمبريالية والاستعمار الجديد.